الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
518
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
في سعة من اختار ، فيرجع باختياره لا بإجبارك إلى عقله فلعلَّه حينئذ يقبل الحقّ المعلوم لدى العقل . والحاصل : أن تدعوه إلى الحق مع إضاءة عقله لدركه بأن توسّع عليه طريق النظر العقلي ، لا أن تظلمه عليه فيبقى على عماه ، وهذا النحو من الدعوة إلى الحق يثمر علم اليقين ، لأنّ المدعو يرجع إلى اختيار ما فيه نجاته من المحتملين في مورد النزاع من قبول الحق ، ولا أقل من أن يصير شاكَّا أو متوقفا لا منكرا ، فلا يقوم على الداعي بالمخاصمة والنزاع . والحاصل : أنّ الموعظة الحسنة هو جعل الطرف في سعة ، بحيث يرجع بنفسه إلى ما يحكم به عقله في مورد النزاع ، مع عدم المشاجرة الموجبة لهيجان صفات النفس ، الموجبة لخفاء الحق ، فحينئذ إمّا يقبل الحق أو يقف عنده ولا يعارض أهله . أقول : هذا كلام حسن في تفسير الموعظة الحسنة إلا أنه يدل على أنّ المراد من الموعظة الحسنة هو الاستدلال كما هو ظاهر قوله تعالى : ( ادع ) 16 : 125 أي بالدليل عن هذه الأقسام الثلاثة ، وهذا ( واللَّه العالم ) خلاف الظاهر المتبادر منها عرفا ، فإنّ الموعظة خصوصا الحسنة لم يلحظ فيها إقامة الدليل بل المطلوب فيها هو البيان بنحو يرقّ القلب وتلين به النفس إلى آخر ما تقدم ، وإلا فلو كانت الموعظة الحسنة ما ذكر لما كان فرق بينها وبين المجادلة بالتي هي أحسن ، فإنّها أيضا هي الاستدلال بنحو يرجع الخصم إلى عقله فيقبله لا بنحو آخر يوجب بقاء عماه كما في المجادلة بغير التي هي أحسن ، فتأمّل . وأمّا المجادلة بالتي هي أحسن فإنّه وإن لم يذكره هنا ، إلا أنه قد تقدم معناه في شرح قوله عليه السّلام : " السلام على الدعاة إلى اللَّه " وتقدم أنّها فسّرت بالحجة التي تستعمل لفتل الخصم عمّا يصرّ عليه ، وينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلَّمه هو والناس ، أو بتسلَّمه هو وحده في قوله أو حجته ، وهنا حديث مفصّل ذكر فيها المجادلة بالتي هي أحسن وغيرها ، فلا بأس